أحمد ايبش
152
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
وقال الفاضل صلاح الدّين أبو الصّفاء الصفديّ ، من مقامة أنشأها في الحريق المذكور ، من فصل يتعلق بالجامع : فسألت الخبر ، ممن غبر ، فقال : إن الحريق وقع قريبا من الجامع ، وانظر إلى شبح الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع ! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم ، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشّحم . ورأيت النار ، وقد نشرت في حداد الظلام معصفرات ذوائبها ، وصعّدت إلى السّماء عذبات ذوائبها : ذوائب لجّت في علوّ كأنما * تحاول ثأرا عند بعض الكواكب وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النّصر ، وكان الواقف في الميدان يراها وهي تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ، فكم ( زمر ) أضحت لذلك ( الدّخان ) جاثِيَةً . وكم نفس كانت في النَّازِعاتِ وهي تتلو هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ! ولم تزل النار تأكل ما يليها ، وتفني ما يستفلها ويعتليها ، إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية « 1 » ، ولعبت ألسنتها المسودّة في أعراض أخشابها النقيّة ، وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر ، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء « كأنّه علم في رأسه نار » . فنكّست وكانت للتوحيد سبّابة ، ولمعبدها المطرب شبّابة ، وابتلي رأسها من الهدم والنّار بشقيقه ، وأدار الحريق على دائرها رحيقه : وبالأرض من حبّها صفرة * فما تنبت الأرض إلا بهارا وأصبح « باب الساعات » وهو من آيات الساعة ، وخلت « مصاطب الشهود » من السنّة والجماعة ، وعادت « الدّهشة » ، وقد آل أمرها إلى الوحشة ، وحسنها البديع وقد ثلّت النار عرشه . كأن لم أر بها سميرا ، ولا شاهدت من بنائها وقماشها جنّة وحريرا .
--> ( 1 ) من خلال وصف ابن كثير وابن قاضي شهبة لحريقها في سنة 740 ه وترميمها ، يتأكّد لنا أن القائم اليوم يمثّل 90 % من هذا الترميم المملوكي ، فيما خلا رأس المئذنة كما يبدو في لوحة الرسّام البندقي عام 1511 م . ونجمتها السّداسيّة عنصر زخرفي لا أكثر .